معتوب لوناس.. الفنان الامازيغي المتمرد


أسماء بوخمس 
يوم الخميس 25 يونيو 1998، تصدر حدث اغتيال لوناس، أخبار كبريات وسائل الإعلام الفرنسية، بالإضافة إلى الجرائد والمجلات المغاربية المستقلة. أعلنت "الجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية" مسؤوليتها عن الحادث . لكن أيدي الغدر لم تستطع لجم صوته وكلماته المنادية بالحرية و العيش الكريم، في ألبومه الأخير الصادر بعيد جنازته المهيبة التي حضرها عشرات الآلاف من الجزائريين.
أغاني لوناس أكدت أنه من رواد الأغنية الجزائرية، وخاصة في صنفها الأمازيغي. ظل "شوكة" في عنق النظام الجزائري، "شبح" يؤرق الكثيرين كلما احتفلت منطقة "القبايل" بالذكرى السنوية لاغتياله .

معتوب لوناس ، "زعيم الأمازيغ"، "رمز الصمود" أو "شهيد الكلمة". تعددت الأوصاف التي اختزل فيها مساره الحافل بالأحداث، وظلت تطارده إلى أن نزل بكل ثقله جاثيا بقوة الكلمة في أغنيته الشهيرة "الله أكبر"، التي أحرجت الواصفين وجعلت من الفنان "المتمرد"، رمزا للكفاح، يتربع على عرش المغنيين والموسيقيين في شمال إفريقيا.

فنان صغير، لكنه محبوب..


ولد لوناس يوم 24 يناير 1956 بتوريرت موسى، احدى القرى المجاورة لمدينة تيزي وزو. عرف بموهبته في الغناء منذ نعومة أظافره، فقد اكتسب هذا الفن بشكل ذاتي ليصير مغنيا محبوبا في الأعراس المحلية منذ ربيعه الخامس عشر. كانت هدية أبيه من أفضل لحظات حياته، حيث أحضر له قيتارته الأولى بعد عودته من فرنسا، في سبعينيات القرن العشرين. تقول أمه في حديث للصحافة الجزائرية " لوناس عندما ولد، ولدت الفرحة في البيت، لا أعتقد أني عشت فرحة مماثلة لا قبل ولا بعد، كان مميزا جدا في صغره".
منذ بداية مساره الفني، كان من أشهر المغنين والموسيقيين في الجزائر بسبب لونه الغنائي وصوته المتميز وأيضا بسبب مواقفه السياسية المعارضة للدولة وللإسلاميين وسياسة التعريب. وأصدر العديد من الألبومات الغنائية الأمازيغية الناجحة آخرها ألبوم بعنوان "رسالة إلى..." والذي صدر بعد اغتياله.

ثائر لا يتخلى عن جرأته مهما كان..


"لكن لماذا" (Mais Pourquoi !?? ) ظل يرددها بنبرته الاحتجاجية التي لازمته طيلة سنوات الشباب، مقاطعا الجميع، بما فيهم منشط بلاطو القناة الفرنسية. يبدأ حديثه وهو متكأ بارتياح على الكرسي واضعا رجله اليسرى فوق نظيرتها اليمنى، تبدو ركبته مصوبة نحو السماء، وكأنه يمسك عوده الذي صار بالنسبة له أكبر من مجرد آلة موسيقية . "لماذا هذا السياق العربي الإسلامي؟ من حقي أن أقول لا. أنا جزائري، من السكان الأصليين لهذا البلد، وهويتي ليست عربية".
معتوب لوناس كان يجهر بأفكاره حول العلمانية والحرية والديمقراطية والأمازيغية. ينفرج "المتمرد" معلنا مصالحته بحركة سريعة لكلتا يديه، ويقول: "فلنتحدث عن هذا، فلنذكر الضمائر". يفصح بوضوح صارخ عن أفكاره، يتحدث دائما في وسائل الإعلام بجرأة قل نظيرها في التاريخ السياسي الجزائري المعاصر. يؤكد أن الحركة الثقافية الأمازيغية حركة سلمية تناضل من أجل قضية الهوية الأمازيغية، وأن مطلبها واضح جدا، وهو أن تكون تامازيغت، أي اللغة الأمازيغية، لغة رسمية ومؤسساتية في الجزائر.
يجيب عن سبب عداءه الكبير للإسلاميين والنظام الجزائريين قائلا: "لا أعرف إن كان هذا من مبادئ الإسلام، لكن الغناء حرام وخروج عن طريق الله بالنسبة لهؤلاء الذين يريدون قتلي".

مسار من الألم وكثير من الإصرار..


انطلقت مسيرته الفذة كمناضل ثقافي سنة 1980، في ما سمي آنذاك "الربيع الأمازيغي"، انتفاضة ثقافية طلابية تعرض شبابها للاعتقال والتعذيب والقتل، لتتحول بعد ذلك إلى واحدة من أشد الحركات معارضة في الجزائر. ثمان سنوات بعد ذلك، وفي احتجاجات أكتوبر 1988، نجا بأعجوبة من موت محقق، حيث استقبل جسمه خمس رصاصات. رغم ذلك، لا يتنازل عن قناعاته، يقول في حوار آخر، عن احتجازه من طرف الجماعة الإسلامية المسلحة، في شتنبر 1994: "كان ذلك مروعا، عشت الموت في كل يوم، كنت أنتظر أن يتم إعدامي في أية لحظة". يبدو أن سنه تجاوز الأربعين هذه المرة، يضع نظاراته الكبيرة المعتادة، ويبدو أنه لم يغير من مودة ربطة عنقه، فهو لا يرتدي منها ما قل عدد ألوانها عن ثلاثة. سجل الفيديو في أبريل 1995، لوناس يتحدث في حوار بمناسبة استقباله في إيطاليا بصوت أكثر هدوءا من فترة شبابه. يقول أن من حسن حظه أنه عاش العذاب سنة 1988، وأنه أمضى حينها ثلاثة سنوات من المعاناة والألم. لكن أفكاره ثابتة لا تتغير، "للأسف أن ينضاف هذا الرعب الأصولي إلى ويلاتنا مع النظام. سأواصل كفاحي، ضد هذا النظام الفاسد، وضد الأصوليين". ويبدو أن أمه كانت أول من يفطن لطابعه الثوري، حيث تقول: " للوناس مواقف، قلّ ما تجدها عند آخرين، قلبه أبيض لا يعرف الحقد ولكن إن كان له رأي فلا يغيره أبدا.. إقور أقوريس: راسو قاسح".



لوناس الكاتب..


"المتمرد" هو خير وصف لشخصية مثيرة للجدل، ربما لهذا أطلق معتوب لوناس سيرة ذاتية بعنوان "Le Rebelle". وهو إصدار باللغة الفرنسية تمت ترجمته إلى العربية بعد ذلك. يحتوي على تفاصيل حياته. استعرض في سيرته عالم طفولته وقريته، وفترة خدمته بالجيش الجزائري وظروف الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي ،والفترة التي تلت استقلال الجزائر. إضافة إلى تخصيص جزء للقمع الذي تعرضت له الهوية الجزائرية من طرف النظام الحاكم، وآراءه في القضية الأمازيغية وأسباب إخفاق الأمازيغ في الحصول على حقوقهم. كما يعطي صورة حية عن المجتمع الجزائري تحت الاستبداد. بل ويحكي ما رآه من طرد الجيش الجزائري لآلاف المهاجرين المغاربة القدماء وسلب أموالهم وشحنهم على شاحنات عسكرية قبل إفراغهم على الحدود المغربية. 



ما بعد الرحيل..


تم اغتيال "المتمرد" في بداية ظهيرة يوم الخميس 25 يونيو 1998 من طرف مسلحين ملثمين حينما كان خارج مدينته وهو يقود السيارة. " لا يمر يوم علي دون أن أبكيه بحرارة، الذين قتلوا ابني، قتلوني أيضا في نفس اللحظة في نفس المكان وبنفس الطلقة " هكذا تعبر الأم عن فقدان فلذة كبدها.
كل سنة، تنظم العديد من التظاهرات الفنية والثقافية والندوات والمحاضرات للاحتفال بهذه الذكرى، التي لا يريد سكان منطقة القبائل نسيانها لما يحمله الملقب بـ "المتمرد" من رمزية فنية ونضالية. ولا يقل العدد اليومي لزوار المؤسسة التي تحمل اسمه عن 150، في حين تحكي فيه استطلاعات الرأي في الجزائر أن سكان تيزي ووزو لا زالوا يقولون أن ''هذا الرجل لم يمت إنه في قلوبنا معنا في كل لحظة وفي كل مكان لا نمل من التعلق به لن يأتي علينا يوم ونحن بعيدين عنه.


غنى معتوب: "الله أكبر"، "كنزة"، "تيغري ن تاكالت"، "روغ أيول"، "أوزو ن تايري".. والكثير من الأغنيات الأخرى، قال معتوب آخر كلماته: "أريد أن أعيش وأغني بكامل الحرية، الجزائر الإسلامية لن يكون لها وجود ولو اقتضى الأمر أن أهب حياتي في هذا الكفاح، فلن أتردد في ذلك... واليوم سنؤكد لهم أننا أقوى منهم ولا أحد يستطيع أن يقف في وجهنا، معركتنا عادلة ونبيلة. أقسم بذلك."


غادر لوناس الجميع، لكن ذكراه تظل خالدة في أذهان سكان "القبايل"بدءا ب"جميلة" بنت الجيران التي أحبها عندما شب وبادلته نفس الإحساس، ولأجلها غنى أولى أغنياته ووصولا إلى جنرالات الجزائر التي تجد نفسها اليوم أمام تهديد عائلته برفع القضية للقضاء الدولي إذا استمر نظيره الجزائري في إحاطة قضية اغتيال الفنان المعارض بجدار من الصمت وطمس للحقيقة .