قصة أغرب ديانة أمازيغية إستمرت أربعة قرون ولاتزال أثارها في عادات المغاربة الى اليوم من حيث لا يشعرون

بعدما ضاق الامازيغ درعا بطغيان العرب الأمويين في شمال افريقيا الذين تجبّروا و تجاوزوا كل الحدود بإسم الأسلام وكان كل همهم تحصيل الغنائم والجواري رغم إسلام الأمازيغ ، أعلن الأمازيغ ثورتهم الكبرى الشهيرة ضد هذا الطغيان والاستبداد الاموي و إنتهت الثورة الامازيغية الكبرى بإنهزام الامويين شر هزيمة و إندحارهم من شمال افريقيا كلها.

 فأستقل الامازيغ سياسيا عن الخلافة الأموية بالمشرق فقام أمازيغ منطقة تامسا بإقامة دولتهم الخاصة بورغواطة ،فازدهرت الحياة الاجتماعية و الزراعة والتجارة والعمران بالمنطقة واتخدوا مدينة أسفي عاصمة لهم وشيدوا مينائها البحري وميناء أنفا للتبادل التجاري مع البلدان الاوربية، وأسسوا ديانتهم الخاصة رغبة منهم في الإستقلال التام عن المشرق نكاية بالأمويين.

قصة أغرب ديانة أمازيغية عمّرت أربعة قرون ولاتزال أثارها سارية الى اليوم في عادات المغاربة 

رسم فني لمؤسس الديانة البورغواطية صالح بن طريف

بعد إرساء أمازيغ سهول تامسنا قواعد دولتهم الخاصة بورغواطة سنة 743 ميلادية ، أعلن الزعيم الروحي الامازيغي البورغواطي صالح بن طريف النبوة في قومه وألّف قرآناً جديدا بالامازيغية وأسس بذلك ديانة جديدة رغبة منه في التخلص من التبعية للمشرق العربي والاستقلال الديني عنه نهائيا، نكاية بالعرب الامويين الذين استغلوا الاسلام أبشع إستغلال في ممارسة الاستعباد و النهب والسلب في شمال افريقيا مثل فرض العمال الأمويين على الأمازيغ اداء الجباية والزكاة والجزية معا رغم  إكتمال إسلام الامازيغ كافة!!، ورغم أن الاسلام لا يفرض الجزية سوى على اليهود والنصارى فقط !!!.

موقع قيام دولة بورغواطة الامازيغية حسب المراجع الاجنبية

ديانة تنم عن روح تواقة للحرية والحياة

لم يدعو صالح بدينه الجديد الى الاعتداء على الغير او الانتقام الاهوج ضد الاعداء بل دعى الى التحرر والحرية والاقبال على الحياة وكانت غايته من تأسيس الديانة الجديدة الاستقلال الديني التام عن المشرق العربي .


يقول العلامة بن خلدون عن البورغواطيين الامازيغ  وعن ديانتهم :
... و الجيل الأول منهم كان لهم في صدر الإسلام التقدم والكثرة وكانوا شعوبا كثيرة مفترقين وكانت مواطنهم خصوصا من بين المصامدة في بسائط تامسنا وريف البحر المحيط من سلا وأزمور وأنفى وأسفي. وكان كبيرهم لأول المائة الثانية من الهجرة طريف أبو صالح وكان من قادة ميسرة المطغري القائم بدعوة الصفرية ومعهما معزوز بن طالوت. ثم انقرض أمر ميسرة والصفرية وبقي طريف قائما بأمرهم بتامسنا وقد تنبأ وشرع لهم الشرائع. ثم هلك وولى ابنه صالح وقد كان حضر مع أبيه حروب ميسرة وكان من أهل العلم والخير فيهم ثم انسلخ من آيات الله وانتحل دعوى النبوة وشرع لهم الديانة التي كانوا عليها بعده وهي معروفة في كتب المؤرخين. وادعى أنه نزل عليه قرآن بالبربرية كان يتلو عليهم سورا منه يسمي منها سورة الحنش وسورة الديك وسورة الجمل  وسورة آدم وسورة نوح وكثير من الأنبياء وسورة هاروت وماروت  وسورة غرائب الدنيا وفيها العلم العظيم و حرم فيها وحلل وشرع وقص وكانوا يقرأونه في صلواتهم وكانوا يسمونه صالح المؤمنين كما حكاه البكري عن زكور بن صالح بن هاشم بن وراد الوافد منهم على الحكم المستنصر الخليفة بقرطبة من قبل ملكهم عيسى بن أبي الأنصاري. (كتاب العبر  لإبن خلدون)
ومما يتضح من كلام ابن خلدون أن صالح بن طريف أعلن وسط قومه بأنه نبي ورسول مبعوث من الخالق إليهم بلغتهم وألف لهم كتابا جديدا بالامازيغية . ومما يورد بعض المؤرخين أيضا أن صالح بن طريف إستدل على نبوته بآية من القرآن : «وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ...»، وذكر لقومه أن النبي محمدا رسول عربي اللسان مبعوث إلى قومه العرب خاصة. فادعى صالح بن طريف أنه رسول من الله الى قومه الأمازيغ وانه تلقى من الله كتابا باللغة الامازيغية وشرع لهم الشرائع .. ولا تزال شدرات من هذا القرآن البورغواطي موجودة الى اليوم باحد المتاحف البريطانية. 

مضمون قرآن صالح بن طريف

 جاء قرآن صالح بن طريف خليطا من الشرائع الجديدة والاحكام والقصص بلغة الامازيغ ، قال صاحب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى المؤرخ أحمد الناصري:
« و وضع لهم قرآنا جديدا بالبربرية يقرؤونه في صلواتهم ويتلونه في معابدهم، وزعم أنه نزل عليه وأنه وحي من الخالق إليه، ومن شك في ذلك فهو منبود . والقرآن الذي شرع لهم ثمانون سورة سماها لهم بأسماء النبيين وغيرهم، منها: سورة آدم وسورة نوح وسورة فرعون، وسورة موسى وسورة هارون وسورة بني إسرائيل، وسورة الأسباط وسورة أيوب وسورة يونس، وسورة الجمل وسورة الديك وسورة الحجل، وسورة الجراد وسورة هاروت وماروت وسورة إبليس، وسورة الحشر وسورة غرائب الدنيا، وفيها العلم العظيم بزعمهم ».

بعض الشرائع والاحكام التي فرضها صالح على اتباعه :


الجزاءات:
ألغى صالح كل الاحكام الاسلامية التي كانت سائدة في عصره مثل الجلد و قطع يد السارق ورجم الزاني .. وفرض احكام اخرى على الجناة تتمثل في دفع الغرامات الرادعة من المواشي بعدد معين من الرؤوس حسب كل جريمة، أو النفي من البلد ومصادرة الاملاك لصالح أهل الضحية، وكانت دية القتل مثلا في شريعة صالح حسب المؤرخين مائة رأس من البقر أو ما يوازيها من المال او العمل، وتمنح تلك الغرامات لدوي الضحية. فكان البورغواطييون الأمازيغ بذلك أول من ألغى أحكام  القصاص الاسلامي البدنية.

العُشر:
فرض صالح بن طريف على أتباعه بأن يخرجوا لزاما  مرة كل سنة العُشُر من جميع المحاصيل الزراعية والثمار  والخضر  مباشرة بعد جنيها من حقولهم ومنحها للفقراء والارامل حصرا، وحرم عليهم تأجيل اخراجها لأي سبب.

صوم  شهر رجب :
فرض صالح بن طريف على اتباعه صوم  شهر رجب بدل شهر رمضان،وتعمد بذلك مخالفة الإسلام، وكان الصيام يبتدئ بعد شروق الشمس مباشرة الى وقت العصر وليس ومن الفجر الى المغرب كما هو في الاسلام  .

الصلاة :
اختصر  صالح بن طريف الصلوات الى صلوات قصيرة دون ركوع ولا سجود تتخللها تراتيل بالامازيغية من قرآنه الجديد مع إيماءات وحركات بالايدي ومناجات الخالق لبعض الوقت مع مسح الوجه باليدين في نهاية الصلاة ، وكانت تلك الصلوات  تقام وقتما شاء المرء حسب طاقته ورغبته.

الاذان :
كان الاذان بالديانة البورغواطية للصلاة الكبرى يوم الخميس وكان يلقي بالامازيغية ويبتدئ بعبارة (أكوش أمقران) حسب المؤرخين، و تعني كلمة "أكوش أمقران " باللغة الامازيغية القديمة "الاله الأعظم".

الاحتفالات :
أباح صالح  بن طريف للنساء الاحتفال والرقص والغناء بخلاف الاسلام ، وفرض  على اتباعه الاحتفال الاكبر يوم  عاشوراء، من خلال التبرك بالماء نهارا وذلك بتبادل رشه على بعضهم البعض للتطهُر ، وإيقاد النار ليلا خارج البيوت والاجتماع والرقص حولها ، كما امر النساء بالاحتفال ليلا وتريد ألاهازيج بالامازيغية . 

الأضحية:
أجاز صالح في شريعته الجديدة الاضجية بالارانب البيضاء أيضا وليس بالاغنام فحسب وذلك رفقا بالفقراء وحرم أكل لحم الدبيحة غير مكتمة الدبح وحرم تخطي الدم المسفوح .

الحج :
ألغى صالح بن طريف الحج الاسلامي الى مكة، وبدل ذلك أمر  أتباعه بطقس غريب وهو الحج الجماعي مرة كل سنة الى أقرب أحد أضرحة الاثقياء الصالحين بمنطقة تامسنا و الطواف حول ضريحه ومحاكات طقوس الحج من رمي الجمرات وذبح أضحية واحدة جماعية بالمكان (وليس اضحية لكل فرد كما في الاسلام) ، و المبيت بالمكان والتلبية ، وكانت غايته  من ذلك إعفاء أتباعه من مشقة السفر إلى مكة البعيدة لأداء مناسك الحج الاسلامية.

الطعام :
حرم  صالح على اتباعه أكل الخضر والثمار قبل نضوجها التام ، و حرّم أكل رؤس الحيوانات البرية، وأمر بتقديس الذيك البالغ وجرّم ذبحه، وقد ذكر بعض المؤرخين أيضا أنه حرم على اتباعه أكل السمك غير المذبوح، وحرم تخطي الدم المسفوح ، وأباح لهم أكل لحم الحلزون خلافا لما أفتى به بعض فقهاء الاسلام في عصره .

الزواج :
أباح صالح لاتباعه الزواج دون حدود حسب رغبة الشخص بشرط الموافقة والتراضي وحضور الشهود فقط ولو حتى بدون عقد مكتوب، وأباح لهم الطلاق والعودة إلى المطلقة متى تصالحوا ، وحرّم عليهم تزويج بناتهم  لأصحاب الديانات الاخرى أو الزواج منهم .كما أباح للنساء الخروج من البيوت دون مَحرْم  لزيارة أقاربهن أو لقضاء أغراضهن المختلفة.

طقوس غريبة متفرقة :
حرّم صالح في ديانته الجديدة كنس البيوت ليلا كما حرم سكب الماء الساخن على المياه الجارية كما أوصى برش الملح في مكان سقوط  الانسان إذا اصيب بالأذى و فرض على أتباعه إقامة وليمة للناس في الليلة الموالية ليوم وفاة احد اقاربهم ..الخ من الطقوس الغريبة حسب باحثين أجانب .

والطريف أن تأثير ديانة البورغواطيين الامازيغ لا تزال سارية الى اليوم  في عادات و سلوك الكثير من المغاربة من حيث لا يشعرون خصوصا القاطنين بمنطقة دكالة والشاوية اي سهل تامسنا مهد الديانة البورغواطية الموؤودة . 

نهاية ديانة صالح بن طريف 

الكثير من الطقوس الغريبة التي يمارسها المغاربة اليوم تعود اصولها الى الديانة البورغواطية

قام بعض الفقهاء المسلمين في عصر  المرابطين بتشويه ديانة البورغواطيين وتصويرها بشكل بشع ونعثها بكل وصف مشين واتهموا البوغرواطيين بالردة والوثنية والكفر والزندقة، لكن رغم كل ذلك يجمع كل المؤرخين ضمنيا على كون  ديانة البورغواطيين جاءت نكاية بالامويين وكانت ردة فعل طبيعية ضد طغيان الحكام الأمويين الذين طغوا وتجبروا وحاولوا إستعباد الامازيغ بإسم الاسلام، فجأءت تلك الديانة بروح التمرد والاستقلال الديني والسياسي التام عن المشرق وبروح الحرية والاقبال على الحياة، وقد ظلت ديانة صالح بن طريف الديانة الرسمية لدولة بورغواطة الامازيغية لمدة اربعة قرون ، وكانت دولة برغواطة الامازيغية دولة قوية عسكرياً. وعند تأسيس الأدارسة لإمارتهم بفاس حاولوا مواجهة البورغواطيين الامازيغ في حروبهم الجهادية ل لكنهم لم يسطيعوا التغلب او القضاء عليهم ، بل انهزم الادارسة وسقطت إمارتهم وبقيت دولة بورغواطة قائمة مدة أربعة قرون حتى ظهور المرابطين الامازيغ ، وهو ما يكذب بعض الروايات الواهية التي تزعم كذبا بان الأدارسة هم اول دولة تأسست في المغرب و انهم حكموا المغرب كله !!!.

وكان دولة برغواطة الامازيغية أول دولة مستقة تماما تتأسس في المغرب الاقصى وكانت لها علاقات تجارية خارجية عبر موانئ سلا وفضالة وأنفا وآسفي، وكان انتاجهم الزراعي غزيرا حسب المؤرخين ، وكان لهم سفراء مثل السفير زمور البراغواطي، الذي أُرسل إلى الحكم المستنصر بالله ، ومنه أخذ المؤرخون معظم أخبار  دولة برغواطة.

وعند ظهور دولة المرابطين الامازيغ (المتشددين للمذهب المالكي)، رأى مؤسسها الروحي الفقيه الامازيغي الكبير "عبد الله بن ياسين"، أن جهاد البرغواطيين أولى من جهاد أي دولة أخرى فحاربهم بشدة، لكنه انهزم وتوفي في المعركة ودفن في قرية اكريفلة قرب ازحيليكة في إقليم الخميسات، وبعده تولى الزعيم الامازيغي أبو بكر بن عمر قيادة جيوش المرابطين وإستمر  في محاربة البورغواطيين محاربة شديدة لعدة عقود حتى أسلم جميع السكان حسب المدهب المالكي المعتدل خلافا لمذهب الأمويين ، وبذلك تم القضاء  على ديانة البورغواطيين بصعوبة لكن لاتزال بعض اثار  تلك الديانة  تتخلل بعض  عادات المغاربة وخصوصا سكان منطقة تامسا الى يومنا هذا.

وقد ثم على مدى قرون  الى اليوم محاولة طمس كل أثار الديانة البورغواطية  كما تم على مدى عقود الى اليوم منع الاشارة أو التلميح إليها نهائيا في كتب التاريخ المدرسية رغم تأثيرها القوي في الاحداث التاريخية للمغرب .

 المراجع :

 كتاب العبر لأبن خلدون. كتاب الاستقصاء لأحمد بن خالد الناصرى. كتاب مجمل تاريخ المغرب لعبد الله العروي. كتاب: "المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب" لأبي عبيد البكري.  بحث  بعنوان "إمارة بورغواطة" لمحمد حقي. مراجع أجنبية متفرقة.