( موضوع تجريبي 1)

بقلم: عبد السلام خلفي
 لقد أشرنا في إحدى الدراسات1 التي تناولنا فيها إشكالية التعريب بالمغرب إلى أن الإستراتيجية التي اعتمدتها النخب المغربية في تثبيتها لتوجهها القومي، هي أنها حولت الوظيفة الأصلية للغة القرآن من وظيفة للإيمان إلى وظيفة لتحديث الدولة القطرية، وبناء الوحدة العربية. وأشرنا أيضاً إلى أن هذه النخب، نتيجة لتبنيها لهذا الموقف، وقعت في منزلقين، أحدهما أنها وضعت العرب داخل الدولة القطرية في مواجهة مواطنيهم من غير العرب، ووضعت الأمة العربية، أو ما يفترضونه كذلك، في مواجهة العالم. وأما الثاني فهو أنها باسم أدلوجة الدين وقعت في منزلق الأطروحة اللادينية التي دافع عنها العرب المسيحيون في الشرق2. وإذا كان سياق هذه المقالة لا يساعدنا على معالجة المنزلق الأول، فإننا سنحاول هنا التركيز على المنزلق الثاني. إذ من المعلوم أن التعريب لم يكن فقط استصلاحاً لأساليب اللغة العربية العتيقة، وتقريب الإيمان إلى القلوب والأفهام، كما دأبت تقنعنا بذلك أقلام الكثير من القوميين والسلفيين والاشتراكيين، بل إنه شكّل، بتعبير جاك بيرك، «حصان طروادة للتغريب». بمعنى أن الهدف لم يكن، في سياق الدعوة إلى العريب، البحث عن عربية ذات مضمون ديني، وتطرد لغة المستعمر من «دار الإسلام»، ولكنه كان، في العمق، «البحث عن عربية من شأنها أن تمكن من الحفاظ على مكانة الفرنسية»، و»ينحاز (مرجعها) إلى الفرنسية أكثر من انحيازه إلى العربية الكلاسيكية»3. وبهذا المعنى فإن اللغة المراد فرضها كانت تلك التي «لا تملك نكهة اللهجة ولا عمق العربية الكلاسيكية»4، أي تلك اللغة التي «لا زالت توجد في وضعية اللغة الأجنبية»5، ولا زالت تبحث لها عن جماعة قد تكون في منطق التعريب هي الجماعة الوطنية. وستكون المفارقة عجيبة هنا إذا أشرنا إلى أن «عناصر الخصوصية التي قاومت المستعمر طيلة فترة الاحتلال، وظلت في مأمن من العدوى الغربية بسبب التعارض القائم بين اللغة الفرنسية واللغة العربية، ستجد نفسها مهددة بالاندماج في القيم الغربية»6. وبطبيعة الحال فقد أفضت سياسة التعريب هذه إلى «هذه العملية الغريبة في ملء عمق اللغة والثقافة العربيتين بمحتوى أجنبي، وبواسطة هذه اللغة العربية ذاتها التي كانت تضطلع دائماً بالوظيفة المعاكسة»7. ماهية التعريب في فكر النخب الوطنية والإسلامية: أ- النخب الوطنية: لقد حدد الأستاذ عبد العلي الودغيري مفهوم التعريب عند أحد8 أعمدة نخب الحركة الوطنية (يتعلق الأمر بالمرحوم علال الفاسي) فيما يلي: «أ) المغرب بلد لابد له من لغة وطنية واحدة تكون رمزاً لثقافته وتجسيداً لهويته وتوحيداً لمفاهيم أبنائه وتصوراتهم. ب) هذه اللغة الوطنية لا يمكن أن تكون غير العربية. فما دام المغرب عربياً مسلماً بالهوية، وما دامت اللغة التي تعبر عن هذه الهوية هي العربية، فلا اختيار له سوى هذا الاختيار، وهو أن لغة البلاد هي اللغة التي تشد المواطنين جميعاً إلى حضارتهم المشتركة، وتاريخهم، وأصالتهم وثقافتهم، وتربطهم برباط الأخوة والمودة مع أشقائهم في العروبة والإسلام. ج) هذه العربية يجب أن تكون هي الفصحى لسببين على الأقل: أولهما أن الفصحى هي اللغة التي يمكن لجميع الأقطار العربية أن تتفاهم بها وأما العاميات والدوارج المحلية فهي سبيل إلى التفرقة لا إلى الوحدة إذا عملنا على تنميتها وتقويتها. وثانيهما أن الدعوة إلى العاميات ـ وما أكثر العاميات في الوطن العربي ـ طريق إلى قطع حاضر الشعب ومستقبله بتراثه المكتوب، وهنا أكبر خسارة يمكن أن تصيبه. وهذا ما كان يريده أمثال سلامة موسى ممن لا يهم أمر هذا التراث في شيء»9. والواقع أن أول ملاحظة يمكن أن ينتبه إليها القارئ لهذا النص وهو يتأمل معانيه، إنما هو الاستعمال السياسي (وليس الديني) للغة القرآن. فالمراد هنا من تبني اللغة الفصيحة ليس الإحالة على المرجعية الدينية للتراثين العربي والإسلامي، (والتي تحولت هنا إلى مبرر إيديولوجي فقط) ولكن المراد هو الجمع بين الأقطار العربية (الوحدة القومية) التي تفرق بينها اللهجات. وهكذا فإنه استناداً إلى مصادرة تُقَدَّم كما لو أنها تقرير لواقع / لحقيقة ثابتة، يوصف المغرب بكونه «عربياً»: «فما دام المغرب عربياً ومسلماً بالهوية، وما دامت اللغة التي تعبر عن هذه الهوية هي العربية، فلا اختيار». أي لا اختيار من الانتماء إلى القومية العربية، ولا اختيار أيضاً من «القضاء» على جميع العاميات المهدِّدَة للوحدة، وللتواصل بين الشعوب في «الوطن العربي». وهي نفس الفكرة التي عبر عنها الزعيم الحالي لحزب الاستقلال عندما أكد أنه سيناضل كي لا تصبح اللغة الأمازيغية لغة رسمية، بل وهو ما حاولت تبريره جريدة العلم عندما أشارت إلى أن رسمية اللغة الأمازيغية سيؤدي لا محالة إلى التشتت في المنظومة التربوية المغربية. ونتيجة لهذا الوعي الحاد بالرهان السياسي (القومي) العصبي (بالمفهوم الذي يطرحه به ابن خلدون)، فإن علال الفاسي، ومعه الكثير من النخب الوطنية، لم يطرح أبداً إشكالية اللغة العربية في علاقتها بالمرجعية الإسلامية، بل إنه طرحها في علاقتها بقيام الأمة. صحيح أنه في سياق الدفاع عن هذه اللغة كان يستنجد بهذه المرجعية، وكان يجعل من اللغة امتداداً لها، ومن المضمون الإسلامي واقعة عربية، إلا أنه، في العمق، لم يكن يغرس سوى ذلك المنطق «التغريبي» / «العلماني» الذي أسست له النخب المسيحية في كل من مصر ولبنان وسوريا. فكما أن هذه النخب دعت إلى تجاوز لغة القرآن عن طريق تطويرها وتثويرها، بل وتفجيرها، بلغة الشعراء والكتاب الحداثيين، سيعلن المرحوم علال عن نفس الآراء، وسيدعو بدوره إلى تطوير هذه اللغة. وقد تضمن هذا التطوير، لتحقيق وحدة الأمة، أن تتنازل العربية عن وظيفتها الأصلية (الإحالة على المرجعية الإسلامية) لكي تضطلع بوظيفة أخرى، وهي تلك التي أسميتها «تغريبية» و»علمانية». وبمعنى أن تواصل اللغة العربية الاضطلاع بنفس الوظيفة اللائكية التي ابتدأتها اللغة الفرنسية بالمغرب، والتي حققت مفهوم وحدة الأمة الفرنسية. يقول علال الفاسي في هذا الصدد: «ولكن ما هي الفصحى التي سنحتفظ بها؟ هل هي لغة امرئ القيس والشنفرى كما تحفظها لنا قصائدهم؟ أم لغة الجرائد التي تنشر في أوساطنا وتوشك أن تعم كل لسان؟ لقد ظل أنصار اللغة منذ عصر النهضة يدعون إلى إحياء اللغة العتيقة والنهوض بها على النهج الذي سار عليه العرب الأولون. وبمقتضى ذلك فقد انتقدوا كل تغيير أو تطور، وحكموا كل كلمة لم توجد في المعاجم ولم ينقلها الرواة إلينا بأنها عامية أو أجنبية عن العربية، وهو موقف جامد لا يمكن أن يؤدي إلا إلى وأد اللغة من طرف الذين يدعون لإحيائها»10. إن النص، كما هو واضح، لا يؤسس للغة التي سيعهد إليها بمهمة نقل التراث الإسلامي، ولكنه يؤسس لِلُغة المؤسسة الحديثة التي سيعهد إليها بمهمة صياغة الهوية اللغوية للمغاربة. فهي ليست لغة الآداب الجاهلية (لغة امرئ القيس والشنفرى) التي عض عليها الفقهاء والأصوليون وشراح القرآن بالنواجذ، واعتمدوها مرتكزاً أساسياً لشرح النصوص الدينية التأسيسية (القرآن والأحاديث النبوية)، ولا هي اللغة التي استنبط النحاة واللغويون نحوها، ومعجمها، وصرفها، ودلالتها إلخ... لتأصيل علوم الدين المتشعبة، ولكنها لغة من خصائصها أنها «مهذبة» و «منقحة» و»مطورة»، وقابلة لأن تتفاعل مع كل ما يحيط بها من لغات ولهجات. إنه « لا غضاضة ـ يقول علال الفاسي ـ أن تكون فيها كلمات عامية مبتذلة أو منقولة أو معربة () ذلك لأن اللغة تسير وحدها ـ وإن لم يسع أبناؤها ـ نحو التطور الذي ينشدونه لها»11. كما أنه لا غضاضة أيضاً (وهذه دعوة التلامذة: عبد القادر الفاسي الفهري ومحمد عابد الجابري) من «تهميش بعض الأشياء في بعض الأبواب مثل التوكيد وغيره»12، ولا غضاضة أيضاً من «فتح باب الاجتهاد على مصراعيه لإصلاح الخط والمعجم والقواعد النحوية. فـ»التلفظ والكتابة والمفردات والقواعد ـ يقول المرحوم علال الفاسي ـ يمكن أن يعاد فيها النظر»13. والواقع أن هذه الدعوات التي أطلقها علال الفاسي بالمغرب، والتي أعاد إطلاقها كل الفرقاء الوطنيين من سلفيين وقوميين وشيوعيين وإسلاميين إلخ... كانت تتغيى تثوير لغة الوحي، وتغيير أنساقها ابتداء من النطق والرسم (الذي دأب المسلمون على تقديسه) وصولاً إلى التركيب (البنية الصلبة التي تمنح لغة القرآن القدرة للإحالة على المعنى المقدس)، وإلى المعجم (الذي يشكل في نظر علماء الدلالة البنية العميقة لأصالة ثقافة ما). وهذا كله بهدف تقليص الشقة بين لغة الشارع ولغة المؤسسة، وتحويل هذه اللغة المقدسة إلى حصان طروادة لتحقيق مفهوم الأمة كما أنتجته الحضارة الفرنسية. هكذا سيكشف لنا هذا المنطق عن فكرة أساسية مفادها أن عربية الإسلام، وعربية التراث «المشترك»، ليس في الواقع سوى التبرير الإيديولوجي لتمرير مضامين غير إسلامية، وبتعبير أدق: تمرير مضامين علمانية. فتطوير العربية وتحريرها من الأساليب العتيقة وسد الشقة بينها وبين العامية (العاميات) عن طريق الاقتراض المعجمي، وحذف أبواب نحوية كاملة، أو إعادة النظر فيها، لن يحيل على عربية التراث، ولكن على عربية القطيعة مع هذا التراث. وبذلك فإن اللغة التي تستمد مشروعيتها من قداستها، يراد لها أن تتعرى من هذه القداسة، وتتضمن القيم اللائكية للغة الفرنسية كي تواصل عملية التحديث الزمني التي بدأتها هذه الأخيرة، وهي عملية «خطيرة» من حيث أنها تنسف ما يمنحها المشروعية الإيديولوجية، لتؤسس ما تدعي أنها تنسفه (أي قيم الاستعمار): وبصيغة أخرى يمكن القول إنها تريد أن «تحرر» المغاربة من «الجمود» عن طريق إدماجهم داخل المنظومة الفكرية الغربية عربياً، وهي مهمة لن تتحقق إلا إذا اضطلعت هذه اللغة نفسها بتصفية اللهجات المهددة للوحدة المغربية، تماماً كما فعل الفرنسيون، وقلصت من الشقة الموجودة بينها وبين لغة الكتاب. من هنا، ربما، يمكن لنا أن نفهم لماذا تناسبت الأطروحات السلفية حول اللغة مع أطروحات القوميين والشيوعيين. يقول الأستاذ الودغيري في هذا الصدد: «وهو (أي علال الفاسي) في هذه الفكرة الأساسية يجد نفسه في انسجام تام مع فئة المسلمين، لأن المسلمين من دعاة التشبث بلغة القرآن التي توحِّدهم، وفي توافق مع القوميين عرباً كانوا أم غير عرب، لأن جميع القوميين يدعون لوحدة اللغة القومية، ويبرزون قيمتها في الحفاظ على كيان المجتمع، كما يجد نفسه أخيراً مع جماعة الشيوعيين الماركسيين لأنهم أيضاً من أصحاب الفكرة ودعاتها. كل طرف من هذه الأطراف الثلاثة، إذن، كان ينظر إلى اللغة الوطنية تلك النظرة التي تبناها علال الفاسي وحمل لواءها في المغرب بحماس شديد»14. وقد يبدو أن الإكراهات السياسية القاهرة (بناء دولة ممركزة، يحكمها مستبد ـ عادل، ويلتف حوله الشعب لمواجهة القوى الاستعمارية «المستكبرة»)، وكذا انتماءُ النخبة الوطنية إلى البورجوازية المدينية النازعة إلى تغيير الأنساق القبلية «البربرية»، واستبدالها بأنساق القبيلة «العروبية»، بالإضافة إلى تبني القيم الليبيرالية التجارية، هي التي فرضت على السلفيين أن يتبنوا خيار اللغة الموحدة، وأن تتفق أطروحاتهم، بالتالي، مع أطروحات القوميين والشيوعيين، بل والمسيحيين؛ إلا أن الوسائل، بغض النظر عن الأهداف، ظلت واحدة: «فتثوير» اللغة المقدسة، وفرضها على المجموعات غير العربية، هو السبيل الوحيد إلى التوحيد ومن خلاله إلى فتح أسواق القبائل التي قاومت بضراوة القيم الاستهلاكية للأغنياء الجدد. ولذلك ستتحول المدرسة الاستقلالية (كرد فعل ضد القبيلة «البربرية» وليس ضد المدرسة الاستعمارية) من مدرسة لتلقين المعرفة الدينية إلى فضاء واسع لتلقين أدلوجة الانتماء العروبي ـ القومي (المبادئ الأربعة)، ولتكريس اللغة الفرنسية، أيضاً، بوصفها لغة للانفتاح، وحاملة لقيم الاستهلاك الليبيرالية، والنموذج الذي تبنى عليه اللغة العربية. ومن الممكن تلمس صورة المدرسة الاستقلالية في نموذج المدارس الحرة التي أنشأتها الحركة الوطنية. إن أحمد بلافريج الذي درس في كل من السوربون والقاهرة بنى مدرسة جسوس المزدوجة لتعليم العربية والفرنسية معاً؛ وهكذا فإنه في الوقت الذي كانت تدرس فيه اللغتان معاً، كانت الحركة الوطنية تؤكد في لائحة مطالبها على ما يلي: «احترام اللغة العربية لغة البلاد الدينية والإدارات كلها بالإيالات الشريفة، وكذلك سائر المحاكم وعدم إعطاء أي لهجة من اللهجات البربرية أي صفة رسمية، ومن ذلك عدم كتابتها بالحروف اللاتينية»15 (وهو نفس الموقف الذي لم يتزعزع قيد أنملة، إذ لا زالت كل الأحزاب السلفية والدينية والوطنية والشيوعية والاشتراكية تناضل ضد رسمية الأمازيغية). وستتجدد هذه المطالب في السبعينات أثناء الحملة التي قادها حزب الاستقلال. فقد وقعت النخبة المدينية من علماء ومثقفي المغرب على بيان ارتأوا أن يذكروا فيه بـ: «أن التعريب الكامل العام في التعليم والإدارة والعمل والشارع، هو مطلب قومي أجمعت عليه الأمة منذ الاستقلال، وهو مبدأ لا يتعارض بحال من الأحوال، مع دراسة اللغات الأجنبية الحية كلغات، ولا يتناقض مع رغبتنا جميعاً في التفتح على حضارة القرن العشرين، وإنما يؤكد فقط رغبة الشعب المغربي في المحافظة على مقومات الشخصية الوطنية، ومن المعلوم أنه لا يمكن لهذه الشخصية أن تنمو وتزدهر إلا في إطار اللغة القومية، ولا يمكن للتعليم أن يصبح شعبياً وديموقراطياً ومزدهراً إلا باللغة القومية»16. وقد ضغطت قوى التعريب في هذا الإطار من أجل استحداث مجمعات لغوية مغربية، ومعاهد للتعريب، ومكاتب لتنسيق التعريب، وكليات للعربية، ودعت إلى إصلاح الطباعة، وإضافة الحروف التي لا مقابل لها في الخط العربي. وشكلت لذلك تجربة الأستاذ لخضر غزال موضوعاً للإطراء من طرف مختلف الاتجاهات المذكورة آنفاً. إلا أنه يبدو أن «المحافظين» من الفقهاء واللغويين قد استشعروا خطورة زحزحة اللغة العربية «المقدسة» عن وظيفتها الدينية الأصلية، إذ اعتبروا أن عملية توحيد اللغة العربية، وتفعيلها مع اللهجات واللغات الأجنبية، وتطوير الرسم، وحذف أبواب من النحو، تهديد للغة الوحي، مقدمة إلى انفصال المسلم عن المعاني الحقيقية للقرآن، وعن المرجعية الحضارية الإسلامية؛ فما كان من الداعين إلى تطويرها سوى اتهامهم بالجمود والتزمُّت، فهُم في نظرهم: «من المتزمّتين المبالغين في المحافظة، لا يرضون إلا باللغة العربية في ثوبها القديم، ويعادون كل مبادرة للإصلاح والتطوير»17. وتناسى هؤلاء أن هذا الثوب هو ما يشكل جوهرها الإسلامي، ويحوي كنوز تراثها الأصيل. يقول علال الفاسي: «إنهم يدعون إلى إحياء اللغة العتيقة والنهوض بها على النهج الذي سار عليه العرب الأولون، وبمقتضى ذلك فقد انتقدوا كل تغيير أو تطور، وحكموا على كل كلمة لم توجد في المعاجم ولم ينقلها الرواة إلينا بأنها عامية أو أجنبية عن العربية. وهو موقف جامد لا يمكن أن يؤدي إلا إلى وأد اللغة من طرف الذين يدعون لإحيائها»18 وقد كان من نتائج ابتذال هذه التصورات واعتمادها في سن سياسة لتعريب المحيط أن اللغة العربية في شقها المعاصر أصبحت تمارس منعاً مزدوجاً، فهي من جهة: تمنع اللغة ـ الأم (الأمازيغية) من النمو، والتطور، نتيجة لإقصائها من المنظومة الإعلامية والتربوية، وهي من جهة ثانية أصبحت تمنع اللغة القرآنية من مواصلة وظيفتها التقليدية. وحتى الذين رفعوا راية تطبيق الشريعة الإسلامية، والدعوة إلى عربية قرآنية نقية من «الشوائب» اللهجية أو غيرها تعاموا عن هذه الحقيقة. فهم عندما يُسألون عن أي عربية يدافعون؟ ـ هل هي عربية جرائدهم المتأثرة حتى النخاع بالنموذج اللغوي الفرنسي (والإنجليزي)، أو هي عربية أخبار الثامنة والنصف، أو عربية الإعلانات الإشهارية، والأفلام المكسيكية المدبلجة، والرسوم المتحركة، والقوانين الإدارية، وتحرير طلبات الشغل، والنحو البسيط إلخ... أم هي عربية القرآن كما نزلت على الرسول، أو، على الأقل، كما كان يتداولها العرب والأعراب في حياتهم الدينية والأدبية والاجتماعية، ويتخذها الفقهاء والأصوليون وعلماء التفسير مرجعاً أساسياً لفهم النصوص المقدسة؟ يجيبونك إن الأمر يتعلق بالعربية، والعربية واحدة في نظرهم. هكذا، إذن، يغلقون الباب أمامك ويتوارون وراء المفهوم العام والفضفاض لكلمة «عربية»، غير مدركين تماماً لموضوعهم ولا للاستراتيجيات السياسية التي تتوخى «قومنة» (من القومية) الإسلام. بل والأدهى من ذلك أن جلهم، إن لم يكن كلهم، لا يعرفون من العربية إلا ما تلقوه في كتب تلاوتي للأطفال الصغار، أو بما تطل به مذيعات الجزيرة والخليج، وفي أحسن الأحوال (إن لم يكن أسوأها) بما يشنف أسماعَهم به فقهاءُ الظلام المعاصرين الذين لا يتقنون من العلم لا قديمه ولا حديثه . ب ـ النخب الإسلامية: لن أتوقف هنا عند كل هذه النخب، بل سأكتفي، كما فعلت مع المرحوم علال الفاسي، باستدعاء الشيخ عبد السلام ياسين لكي يبلغنا موقف جماعته، ومن خلالها موقف الإسلاميين عموماً. إن الذي يجب أن نسجله ابتداء هو أن عبد السلام ياسين قد انتبه، عكس علال الفاسي، إلى المأزق «التغريبي» و»العلماني» اللذين وقعت فيهما اللغة العربية. صحيح أنه لم يتمكن أبداً من تقديم حل للخروج من هذا «المأزق»، إلا أنه مع ذلك سجله، واعتبر العربية الحالية لغة لائكية، ونتاجاً يسوعياً مفرغاً من أصالته. يقول ياسين في كتابه: «حوار مع صديق أمازيغي» معبراً عن هذه الفكرة: «وطور اليسوعيون العرب لغة العرب فعلاً، وتلقفت مشعل التطوير طائفة من نصارى لبنان وفدوا على مصر، وأسسوا مطابع، وأسسوا جرائد ومجلات عربية كان لها منذ أزيد من قرن إشعاع على العالم العربي الإسلامي وعلى كل قارئ بالعربية من المسلمين. طوروا العربية فعلاً، لكن بقصد إعلامي، لا بقصد غيور على الكنز المودع في اللغة ـ كتاب الله وسنة رسوله ـ ولا بقصد تقوية العربية على حمل أسباب القوة من علوم كونية وتجارب بشرية نافعة. وما تبع المجهود اليسوعي النصراني في مجامع اللغة العربية وأكاديميات اللغة العربية لم يحد كثيراً ولا قليلاً عن المقصد التنصيري. وها هي بين أيدينا لغة عربية عصرية لاييكية في صحف الإعلام والمجلات المصورة والإذاعات والتلفزيونات. لغة ركيكة المباني، مترجمة المعاني، فاسدة النحو، قعيدة الصرف، ما بينها وبين لغة القرآن المبينة من قرابة إلا صلة اللفظ والحرف. لغة عصرية جسم تسكنه روح دخيلة تتململ لاييكيتها وتتخبط المسكون، فلا تسمع من همس العربية إلا أنيناً وحنيناً إلى سالف عزها، يوم كانت لغة الدين والدنيا، لا ينفصل الدين والدنيا شقين وتعبيرين»19. إلا أن عبد السلام ياسين، رغم وعيه بـهذه «المأساة الدينية» التي تعرضت وتتعرض لها العربية على يد اليسوعيين والسلفيين والشيوعيين والقوميين، يعود في الأخير ليتبنى بدوره نفس الموقف «اللاييكي» الذي تبناه سلفه علال الفاسي. فبعد أن أكد على أهمية توحيد «المصطلح العلومي» (لغة الدين والدنيا)، وتوحيد الجهود بين معاهد البحث الجادة في بلاد «العربان»، ينتبه مثل الذين سبقوه إلى أن المشكل في التطبيق. فبالنسبة إليه أن: «التطبيق وإدخال المصطلح العربي في الميدان، تحول دونه القطرية الضيقة. لكل قطر معهده ومصطلحه. لا يرضى مصطلح قطر أن ينسق مع مصطلح قطر، ولا أن يتراضى معهد مع معهد، لما عرف عن العربان، والدول القومية للعربان، من تطبع على العصبيات الضيقة. وتذهب لغة العربان ضحية للتمزق السياسي»20. هكذا، إذن، ستتبدى لنا السياسة القومية في خطاب عبد السلام ياسين الديني تُلقي بكلكلها على لغة العرب الموحدة (لغة اليسوعيين العرب النصارى)، فتختلط الوحدة القومية ـ اليسوعية ـ النصرانية بالعدل الإحساني. يقول: «الوحدة تريد عدلاً، والعدلُ يريد تنمية، والتنمية تريد تعليماً وعلوماً، وتوطين كل ذلك يريد حكماً شورياً، وأساس كل ذلك الوحدة اللغوية. وحدة لغة القرآن تتضمن وحدة الإيمان بالقرآن»21. وبصيغة أخرى، يمكن القول إن عبد السلام ياسين يريد عربية متفتحة على العلم والتكنولوجيا، ولكنه يريدها أيضاً لغة قرآنية ثابتة تتحدى الزمان، وقادرة على تحقيق الوحدة. وبعبارة أخرى يمكن القول إنه يريد أن يجمع بين الشيء وضده. بين الثبات والتحول. بين القومية والدين، بين الإيمان بالأمة الإسلامية والإيمان بالأمة القومية. بين الإسلام والعروبة. وأما الاعتراف بالخصوصيات اللغوية والثقافية للمجتمعات الإسلامية، فهذا في نظره يفتت الأمة، ويجعل للعربية «ضرائر» هي في غنى عنها. ولذلك فإنه لابد مما ليس به بد: اغتيال جميع لغات العالم، والتمكين فقط للغة القرآن التي تتضمن وحدة الإيمان بالقرآن، ووحدة الإيمان بأمة الإسلام التي لن تكون في النهاية سوى أمة «العربان». خلاصة: إن أطروحة التعريب تتوخى، إذن، هدفين أساسيين: الأول هو توحيد المغاربة لغة وفكراً في أفق بناء دولة (إمبراطورية) عربية ـ مسلمة ممركزة. والثاني هو تبني لغة «العربان» لتحقيق الوحدة القومية (العربية والإسلامية). وهكذا فباسم الوحدتين: الوطنية والقومية، بل وباسم الإسلام أيضاً (الوحدة الإسلامية) يراد لهذه اللغة أن توحّد العرب (والعجم)، وأن تحيل، في نفس الوقت، على قيم العقلانية والتحديث التي أنتجتها الحضارة الغربية، وعلى قيم الأصالة العربية والإسلامية. ولذلك فإنه لا مجال للقوميات الصغيرة، ولا حتى للهويات اللغوية والثقافية الإسلامية غير العربية؛ إن على الكل أن يذعن لثقافة «العرب»، وعلى كل المسلمين في العالم أن يتخلوا عن لغاتهم، ولهجاتهم، وثقافاتهم لصالح عربية «العربان». هكذا، إذن، يتبين لنا أن النخب الدينية والوطنية والقومية كانت مسكونة بإيديولوجيها التوحيد القسري الذي أسست له الدولة الأموية العضود، فهي لم تتصور أبداً أن تكون هناك وحدة خارج سلطان القمع الرمزي، وخارج فرض النموذج الثقافي العربي ـ الإسلامي، فقد أقصت كل إمكانيات لإدراج اللغات الوطنية داخل المنظومة الإعلامية، والتعليمية، واعتبرت أن مركز الحكم، والقضاء على الخصوصيات اللغوية والثقافية هما السبيلان الوحيدان لإعادة مجد العرب، وتمكين الأمة الإسلامية من قيادة العالم؛ ولكي تقنع الأمازيغ بصحة أطروحاتها ادعت أن اللغة العربية هي اللغة ـ الأم، وأن لغة التعريب هي لغة القرآن، وأن التعريب هو بشكل ما «أسلمة للبربري الصغير»؛ وهي حجج، كما يذهب إلى ذلك كرانكيوم، مردودة، فلو كانت العربية لغة ـ أمّا للمغاربة لما طرح مشكل التعريب ، ولطرح مكانه مشكل محو الأمية، كما أنه لو كانت لغة التعريب هي لغة القرآن والمرجعية الإسلامية لما طرحت قضية التحديث من داخل هذه اللغة؛ ثم إن الأمازيغ ظلوا مسلمين لاثنتي عشر قرناً مع احتفاظهم بلغتهم ـ الأم، فلماذا يطالبون اليوم بالتخلي عن لغتهم وثقافتهم؟ . ألكي يدخلوا الإسلام من جديد؟ أم أن إسلامهم ناقص، ومطعون فيه إلى أن يتبرأوا من «بربريتهم» ؟ !. أسئلة ليس لها جواب! والجواب الوحيد الذي يمكن التأكد منه هو: أنه كان لإقصاء اللغات الوطنية من المؤسسات نتائج كارثية على الحياة الثقافية والسياسية، والاقتصادية؛ فقد أنتجت هذه السياسة نخباً تعيد إنتاج نفسها وتمنح لها كل مقومات الهيمنة في الوقت الذي همشت فيه فئات واسعة من الشعب المغربي؛ فالمجتمع الذي لا يتقن لغات المؤسسة ظل لما يزيد عن أربعين سنة خارج لعبة تداول الخيرات الرمزية والمادية والسياسية؛ فباسم الإيمان تارة، وباسم الحداثة تارة أخرى تُرك أزيد من 60 / من المغاربة يعيشون ظلام الأمية، وأزيد من ثلثي الجغرافية المغربية خارج دائرة المغرب النافع، وتراثاً لغوياً وثقافياً تمتد جذوره إلى أكثر من 50 قرناً يتهدده الموت، وأكثر من نصف المجتمع لا يشاركون في الحياة المدنية (السياسية والثقافية)، وأزيد من 75 / من النساء لا يستفدن من حق الإعلام ، وحق معرفة حقوقهن المدنية، وأكثر من 90 / من الأطفال المتمدرسين يعيشون مشاكل لغوية تنعكس سلباً على علاقتهم بالمحيط الذي يولدون فيه، ونُخَباً ثقافية واقتصادية مستلبة فكراً وروحاً ووجداناً (بعضها يشرِّق، وبعضُها يغرّب)!!! الإحالات: 1 عبد السلام خلفي، التعريب في المغرب: واقعة تأصيلية أم واقعة تغريبية وإقصائية؟، ورد في مجلة نوافذ، العدد السابع عشر / الثامن عشر، غشت 2002، ص: 87-94 2 لقد كان المشروع المسيحي في الشرق العربي هو بناء الوحدة العربية (بدل الوحدة الإسلامية) من خلال التمكين للغة العربية، بعد «تحريرها من أغلالها». وعليه فقد باشر الفرنسيون في مصر، مثلاً، منذ 1789م عملية التعريب، وبرز فيهم أعلام مثل «الدكتور كلوت بك» و»الدكتور براون» و»الأب أنطون روفائيل زاخور وهبة». وفي سنة 1798م أسس بونابارت «المعهد العلمي المصري»؛ وأما في سوريا فنذكر «يوحنا عنجوري» و» أوغسطين سكاكيني»، و»يوسف فرعون». وفي لبنان نذكر»كوريليوس فانديك» و»يوحنا ورتبات» و» جورج بوست» إلخ... وقد ساهم هؤلاء جميعاً في ترجمة العلوم إلى اللغة العربية، وفي إصدار كتب ودوريات ومجلات عربية، كما أنهم ساهموا في تأسيس مجمعات لغوية، وجامعات شكلت المنطلق الذي اعتمده العرب لمأسسة لغتهم، وجعلها تنزع عنها رداء أدلوجة الأمة الإسلامية، وتعويضها بأدلوجة الأمة القومية. للتوسع في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى: د.قاسم سارة «التعريب جهود وآفاق»، دار الهجرة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1989، ص: 44-203. 3 جلبير كرانكيوم، اللغة والسلطة والمجتمع في المغرب العربي، ت. محمد أسليم، الفارابي للنشر ـ مكناس، الطبعة الأولى، 1995، ص: 12 4 نفسه، ص: 143 5 نفس المرجع والصفحة 6 نفس المرجع والصفحة 7 جلبير كرانكيوم، اللغة والسلطة والمجتمع في المغرب العربي، ص:88 8 يتعلق الأمر بالمرحوم علال الفاسي. 9 عبد العلي الودغيري، في الثقافة والهوية، البوكيلي للطباعة والنشر والتوزيع، ط. الأولى 1995، ص: 16-17 10 عبد العلي الودغيري، في الثقافة والهوية، ص: 17 11 نفسه، ص: 18 12 حوار مع د. عبد القادر الفاسي الفهري، ورد في مجلة عالم التربية، العدد الرابع-خريف 1996، ص: 73. 13 الودغيري، في الثقافة والهوية، ص: 18. 14 الودغيري، في الثقافة والهوية، ص: 15. 15 محمد المكي الناصري، «فرنسا وسياستها البربرية في المغرب الأقصى» (تقرير مقدم إلى المؤتمر الإسلامي العام وجميع مسلمي العالم من اللجنة الشرقية للدفاع عن المغرب)، شركة بابل- الطبعة الثانية 1993، ص: 100. إن الموقف السلبي من الأمازيغية نسجله أيضاً عند الحركة الوطنية العروبية في الشمال المغربي؛ فلقد «تبنى الجمع العام لحزب الوحدة المغربية في 11 دجنبر 1937 بالإجماع برنامجاً جديداً للمطالب» ورد فيه: «إن حزب الوحدة المغربية يعتبر العربية بمثابة اللغة الرسمية الوحيدة للمغربي المسلم منذ اعتناق المغاربة للإسلام، إذ أن هذه اللغة قد كانت خلال ثلاثة عشر قرناً ونصف اللغة الوحيدة للدين والإدارة والتعليم، واللغة الأدبية الوحيدة والأداة الوحيدة للتفاهم بين الدولة المغربية والدول الأجنبية. إن حزب الوحدة المغربية يولي لباقي اللهجات البربرية أهمية جد ثانوية، لأنها لهجات محلية وعامية، ولا تمثل أية ثقافة ولا علم ولا حضارة، لأن المغاربة لا يمكنهم التواصل بهذه الوسيلة مع التيارات الثقافية القديمة والجديدة. ولذلك فإن حزب الوحدة المغربية يحارب كل محاولة ترمي إلى بربرة المغاربة من جديد أو إلى شل تيار العروبة داخلهم، وفي نفس الوقت يركز جهوده على تعميم اللغة العربية وثقافتها في جميع المدن والبوادي حتى تصبح اللغة الوحيدة للنهضة المغربية الجديدة» أنظر في هذا الصدد: ر.ريزيت «الأحزاب السياسية في المغرب»، ت. محمد ضريف وآخرين، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، ط. الأولى، نونبر: 1992، ص: 145. 16 بيان من علماء ومثقفي المغرب حول سياسة التعليم والغزو اللغوي والاستعماري للمغرب العربي، المرجع السابق، ص: 162 17 الودغيري، في الثقافة والهوية، ص: 26. 18 نفس المرجع السابق، ص: 26. 19 عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، مطبوعات الأفق- الدار البيضاء، ط. الأولى، 1997. ص: 87. الواقع أن ياسين إذ يميز بين عربيته (وعروبته) عن عربية الوطنيين (وعروبتهم) يحيل على مضمون الحضارة العربية ـ الإسلامية التي تتضمنها هذه اللغة، فهذا المضمون هو ما يمنح ـ في نظره ـ أصالة الانتماء، وأما عربي العروبيين فليست سوى عربية «الصوت» و»الحرف». يقول د. حسن أوريد في هذا الصدد: «On ne remarquera pas de schizophrénie linguistique ou culturelle chez les tenants de l’islamisme comme chez ceux qui défendent la langue arabe par référence à des considérations nationalistes. A la différence des panarabes dont l’arabe est privée de son «humus» islamique ou cantonné dans la sphère culturelle, la langue arabe chez les tenants de l’islamisme porte le patrimoine culturel de la langue, puisé du coran et les classiques. Pour Yassine, l’arabe des panarabes n’est arabe que par le son et la calligraphe, et non par la syntaxe et le génie. Il ne s’embarrassera pas de taxer «d’arabophonie», terme qui comporte à la fois ironie et péjoration. Souvent les islamistes se montrent les défenseurs les plus irréductibles de la langue arabe contre les atteintes d’altération et d’aliénation». أنظر في هذا الصدد: Hassan Aourid «le substrat culturel des mouvements de contestation au Maroc, Analyse des discours islamiste et amzigh», Thèse de Doctorat d’Etat, Soutenue à l’Université Mohammed V, Faculté des sciences juridiques économiques et sociales, Agdal-Rabat, 1999, P. 123/. 20 عبد السلام ياسين، حوار مع صديق أمازيغي، ص: 127-128. 21 نفسه، ص: 128