حراك الريف ودسائس الدولة العميقة .... سيشهد التاريخ على نبالة ناصر الزفزافي وعلى نذالة المخزن المغربي

بقلم كمال الخمليشي*
الثلاثاء 30 ماي 2017 

بعد حادث مسجد "ديور الملك" بالحسيمة، إبّان خطبة الجمعة ليوم 26 مايو 2017، التي اعتبرَتْ حراكَ الريف "فتنة"، انطلق – عشيّة نفس اليوم – بوقٌ من الأبواق الببّغائية المحسوبة على الدولة العميقة، وخرج ببلاغ يكيل للزعيم ناصر الزفزافي شتى أنواع الاتّهامات والأوصاف وكأنّه من كبار المجرمين (بصرف النظر عن استهتار ذلك البلاغ بـ "قرينة البراءة" التي هي مبدأ دستوري)، بل سمعنا في نفس العشيّة بأنّ مسطرة المتابعة حُرِّكت ضدّ هذا المناضل على أساس الفصل 221 من مجموعة القانون الجنائي، حسبما استنتجناه من نصّ البلاغ المنشور في هذا الصدد عبر وسائل الإعلام.



ورأينا كذلك من خلال وسائل الإعلام كيف تحرّكت الآلة القمعية لإلقاء القبض على الزعيم الزفزافي في عقر داره، رغم سلمية الحركة الاحتجاجية التي يقودها منذ أزيد من سبعة أشهر، ورغم مشروعية المطالب التي تبنّتها تلك الحركة (باعتراف من الحكومة نفسها).

إنّ الزفزافي، يا سادة، لم يُعلن قطّ "الحربَ" على الدولة ولا على النظام القائم، وإنّما أعلن حربه دائماً وأبداً على الفقر والجهل والمرض والبطالة الضاربة أطنابها في الريف منذ الاستقلال، والجميع يعلم أنّ من يحارب هذه الآفات إنّما يحارب في نهاية المطاف التطرّف والإرهاب بكلّ أنواعه (لأنّ الإرهاب لا يستقرّ إلاّ في البيئات الموبوءة والحاضنة للفقر والحرمان والفساد والإفساد).

بمعنى أنّ الزفزافي هو بامتياز لقاح فعّال ضدّ التطرّف والإرهاب.

وبمعنى آخر، إنّ حركة الزفزافي – في حالة الاستجابة فعلاً لمطالبها – سوف تقي المغرب مصائب وكوارث لا يعلم خطورة عواقبها إلاّ الله.

ولكن في مقابل هذا الحراك الدينامي الطموح، ماذا نجد الآن ؟

نجد مشهداً حُسَيْميّاً بئيساً ورديئاً، مخيفاً وخطيراً: احتجاجات بالجملة واعتقالات وملاحقات واحتقان حادٌّ (المُعلَنُ منه والنائم)، وهذا يؤشّر بطبيعة الحال على خلل واضح وفاضح للسياسة المنتهجة، منذ الاستقلال، من طرف الدولة العميقة تجاه الريف وأبنائه.

وباختصار، لقد فهم الريف – وغيره من المناطق – منذ مدّة، أنّ الدولة العميقة لا همّ لها إلاّ تحصين مكاسبها وكراسيها وامتيازاتها، بالأبواق والفقهاء والحملات القائمة على قاعدة "قولوا العام زين"، فضلاً عن تجنيدها للماكينة البيروقراطية الرهيبة المُسَخَّرة تارة لتخويف الناس وتركيعهم، وتارة أخرى لإقناعهم بأن الرفاهية الحقيقية تكمن في السكينة والأمن أو هي تلك التي تنتظرهم في الآخرة (أي انّ الرفاه الحقيقي سيبقى مُؤجَّلاً إلى يوم الدين).

وبالتالي، وبالرغم من التغنّي المستمرّ بالديمقراطية وحقوق الإنسان (يا حسرة)، فإنّ مخطّط الدولة العميقة، الذي لا يصنع أيّ مستقبل يبشّر بالخير، يستبطن في الحقيقة والواقع مقاربة غريبة تقوم أوّلاً وأخيراً على تكميم الأفواه وكسر العظام لكلّ من سوّلت له نفسه فضح الأساليب المشبوهة إياها التي لطالما ناضل الريف ومعه الشعب المغربي – بدون جدوى على ما يبدو – للقضاء عليها.

لذا، نحن اليوم في الريف أمام امتحان حقيقي لما يُسمّى بدولة الحقّ والقانون التي تُسوِّق لها الدولة العميقة، ذلك أنّ الديمقراطية هي بالأساس فنّ إدارة الاختلاف البشري وفن احترامه بالوسائل الحضارية (لا القمعية)، أمّا الادّعاء في الظاهر، ولمجرّد المناورة، بأنّنا دولة ديمقراطية، ثمّ التنكّر لهذه الأخيرة في الباطن تكبيلاً لحياتنا المحكومة أصلاً بالقمع والصمت، فهو من الأمور المنكرة التي تستحقّ الشجب والتنديد بجميع الوسائل المشروعة.

فالديمقراطية، يا سادة، بهذا المفهوم الجائر، لا هدف من ورائها إلاّ تثبيت دعائم الدولة العميقة ونفخ أرصدة خُدّامها الأوفياء على حساب إفقار الغالبية العظمى من أبناء الوطن، ولو بأسلوب "العصا لمن عصى" كلّما اقتضى الأمر ذلك .. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، إذا عُدنا إلى الفصل 221 من القانون الجنائي، الذي على أساسه حُرّكت المتابعة في حقّ الزعيم الزفزافي، فماذا نجد ؟

نجد : من ناحية، نصّاً زجريّاً يعاقب كلّ "من عطّل مباشرةَ إحدى العبادات أو الحفلات الدينية، أو تسبّب عمداً في إحداث اضطراب من شأنه الإخلال بهدوئها ووقارها..." ؛ ونجد، من ناحية أخرى، مناضلاً شريفاً استنكر في محيط المسجد ما تعرّضت له الحركة التي يتزعّمها من نقد لاذع من طرف الدولة العميقة التي جنّدت أبواقها لهذا الغرض يوم الجمعة 26 مايو 2017.

ممّا يدلّ على أنّ الأخ الزفزافي اضطرّ إلى الخروج عن طوره – ومن اضطرّ غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه – حين تيقّن من أنّه هو وحركته هما المستهدفان في خطبة الجمعة المذكورة، وهذا لا يوقعه – حسب علمي – تحت طائلة القانون الجنائي ؛ بدليل انتفاء الركن المعنوي في الجريمة المذكورة : ألا وهو ركن القصد العمدي والنيّة المبيّتة للتعطيل المباشر لصلاة الجمعة، إذ لم يُرْغِم الأخ الزفزافي الناسَ على مغادرة المسجد أو عدم أداء الصلاة ؛ ثمّ إنّ الأخ الزفزافي لم يذهب أبداً إلى المسجد وهو عاقد العزم على إحداث الاضطراب في بيت الله ؛ هو المؤمن أشدّ ما يكون الإيمان بخالقه عزّ وجلّ، وهو الملازم لصلواته.

علماً بأنّ هذه الحركة الاحتجاجية ضدّ تدخّل خطباء الجمعة في شؤون الحراك الشعبي بالريف، عمّت عدّة مساجد في الحسيمة وخارجها.

من هذا المنظور، تبقى المسألة وما فيها : أنّ الأخ الزفزافي يقع فقط تحت طائلة الحديث الشريف القائل بأنّه "من لغا فلا جمعة له" ؛ وأنّ أصابع الاتّهام الحقيقية يجب أن توجّه بالأحرى إلى الأئمّة الذين ميّزوا بين أهل الريف ونعتوا طائفة منهم بـ "دعاة الفتنة"، وهذا التمييز معاقب عليه بمقتضى القانون الجنائي.

وعليه، لا يسعنا إلاّ أن ننصح الوزارة الوصية على القطاع بالابتعاد عن زرع الفتن والأحقاد بواسطة توجيهاتها السلبية لخطباء الجمعة وأئمّة المساجد، ونناشدها في نفس الوقت أن تعمّم على هؤلاء هذا الدعاء لجلالة الملك محمد السادس : "اللهم خلّد المُلك في عقبه إلى يوم الدين".

هذا هو لسان حال أهل الريف يا سادة، فلا يزايدنّ أحدٌ علينا ولا يشكّكنّ في وطنيتنا وفي تعلّقنا الدائم بملكنا وبمكليتنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وفي الأخير، الرجاء كلّ الرجاء أن تتركنا الدولة العميقة في حالنا، ولتعلم أنّ ما تقوم به في حقّ الريف وفي حقّ الزعيم الزفزافي ورفاقه هي محاربة بكلّ ما في الكلمة من معنى وليست مصالحة على الإطلاق.
فهلاّ استجابت !

*ابن الريف كاتب روائي