-->

المرجعية الأنكلوساكسونية في الدراسات الأمازيغية

معظم ما يتداوله المثقفون المغاربة عن اللغة والثقافة الأمازيغتين يجد مرجعيته العلمية في ما يصدر عن المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، و ما يصدر عن منابر مختلفة في شمال إفريقيا، وماصدر عن معاهد البحث الفركوفونية الكلاسيكية. هدف هذا المقال أن نعرّف بمصدر آخر للبحث في اللغة والثقافة الأمازيغتين نعتقد أنه آن الأوان للإنتباه إليه والإستفادة من مادته العلمية الغزيرة. يتعلق الأمر بالإنتاجات الأكاديمية الأسنڭلوساكسونية التي نشرت في الألفية الثالثة.

من هذه الإنتاجات كتاب "أركيولوجيا الهوامش: الإستعمار، تيموزغا، وتدبير التراث في جزر الكاناري" هو قنبلة علمية أكاديمية بجميع المقاييس ... مؤلف الكتاب هو خوسي فرُّخيا دولاروسا (صدر السنة الماضية، 2014، عند دار النشر سپرينڭر).

يبرهن الكاتب في حوالي 120 صفحة أن التاريخ الإستعماري الإسباني قد أساء تدبير الموروث الأركيولوجي لجزر الكاناري بشكل منهجي ليطمس معالم الوجود الهوياتي الأمازيغي الأصلي. لذلك فهو ينتقد، باستعمال وثائق حفرية عديدة، التدبير الكولونيالي للموروث الاركولوجي في الجزر ليبين بأن الهوية الجذر للجزر لا زالت تشهد عليها المآثر التاريخية (أواني، أدوات حربية، نقوشات بحروف تيفيناغ، ...). فقد بين الكاتب بالملموس أن المستعمر أنشأ "ما قبل تاريخ" وهمي يحرف فيه حقيقة الأصل الأمازيغي للجزر لأسباب سياسية، فجاء العهد الديكتاتوري لفرونكو ليرسخ هذا التاريخ المزيف بالمتاحف التي كانت تحكي، حسب الكاتب، تواريخ "مختلفة بل متناقضة" (ص.55). ينبغي أن يسلط الباحثون المغاربة على هذا الكتاب ومضامينه النقدية. فالتحرر الفكري مقدمة ضرورية للتحرر السياسي.



اللغة الأمازيغية ليست فقط اللغة التاريخية لسكان شمال إفريقيا (وهذه الآن حقيقية تاريخية لا غبار عليها) بل هي أيضا اللغة التي أثرت في بنية ومعجم اللغات الإفريقية التي كانت متاخمة للحدود الجنوبية لمنطقة تامازغا ... من اللغات العديدة التي تأثرت بشكل جذري بالأمازيغية، هناك لغة إفريقية من فئة لغات السونڭاي تسمى ب"لغة إد إسحق" تستعمل اليوم في المقاطعة السابعة لجمهورية مالي. لا حظ أن اسم اللغة نفسه أمازيغي (عائلة إسحق). درست هذه اللغة المتمزّغة عنوانه "نحو تايدسحاقت: لغة متمزِّغة من لغات السونڭاي (مالي)". الكتاب من تأليف ريڭولا كريستانسون بولي عام 2010. لأخذ فكرة عن تأثر تايدسحاقت بالأمازيغية .. إليكم بعض الأمثلة:

ش ـ امْغار (معناها :"يعظم") ... "أمغار" بالأمازيغية "عظيم القوم"

ش ـ يضّر (معناها "يجعل الشيء يسقط") ... "إضّْر" بالأمازيغية "يسقط"

ش ـ يرا (معناها "جعل شخص يحب آخر") ... "إيرا" معناها بالأمازيغية "أحب"

"يبدْدْ" (معناها "يقف") ... "يبيدّْ" بالأمازيغية "يقف"

يتناول هذا الكتاب بتفصيل الجوانب التاريخية والصوتية والصرفية والتريبية للغة تاديسحاقت. يمكن أن يتفيد منه المهتم بلسانيات اللغات الإفريقية وخصوصا تلك التي تأثرت بالأمازيغية. يمكن أن يستفيد منه أيضا المشتغل على معيرة الأمازيغية، لأن هذه اللغة احتفظت بكلمات أمازيغية اختفت من الأمازيغية نفسها.

"حركة الهوية الأمازيغية وتحدي شمال إفريقيا" هو كتاب لبروس مادي وايتزمان من منشورات جامعة تيكساس، أوستين لسنة 2011. يهدف هذا الكتاب إلى دراسة ظهور الحركة الهوياتية الأمازيغية بعد استقلال دول شمال إفريقيا وتطورها حتى الألفية الثالثة. يركز الكاتب في مؤلفه على المغرب والجزائر، ويقسم بحثه إلى ثلاثة فصول يخصص الأول منه لتاريخ الأمازيغ حتى عهد الإستعمار. ويتحدث في الفصل الثاني عن ظهور الحركة الأمازيغية بُعيد خروج المستعمر وعلاقتها المتوترة مع دولة ما بعد الإستعمار، مركِّزا الفصل الثالث على البعد الدولي للقضية الأمازيغية ووعلاقة الملك محمد السادس والرئيس بوتفليقة بالهوية الأمازيغية.

الكتاب وثيقة نافعة جدا لكل من يريد أخذ فكرة شاملة عن تاريخ تامازغا والحركة الأمازيغية منذ ظهورها بعد خروج المستعمر إلى اليوم. هو أيضا مفيد لكل من يريد أن يفهم تاريخ الحركة في شقها القبايلي (الجزائري). يتضمن الكاتب في هذا المؤلف حوالي 400 مرجع.

من نقط الضعف في هذا الكتاب أنه وقف عند نهاية العقد الأول من القرن الحالي، ولم يشهد للتطورات التي حدثت بعد حراك 2011 (الإقرار بالطابع المتعدد للهوية المغربية، ترسيم الأمازيغية دستوريا في المغرب ...). لا حظت كذلك أن الكاتب لم يدرس دور الجمعيات الأمازيغية ومشاريع الأحزاب ذات المرجعية الأمازيغية في تشكيل الوعي الذاتي بالهوية الأمازيغية.

"المعجم التاريخي للأمازيغ" هو معجم من 359 صفحة صنفه باللغة الإنجليزية حساين إلحيان وطُبع في مدن لانهام وطورونطو وأوكسفورد في إطار منشورات ذو سكيركروو عام 2006. قدم للكتاب الكاتب الأمريكي جون وورونوف المتخصص في المعاجم التاريخية والمشهور بمؤلفاته حول آسيا الشرقية.

يتضمن المعجم معطيات تاريخية قديمة (مثل التاريخ القديم للأمازيغ) ومعطيات تاريخية حديثة (مثل تمرد الطوارق بين سنتي 1990 و1992). كما أنه يعرف بشخصيات متنوعة في التاريخ الأمازيغي (مثلا: مولود فرعون، أبو عبدالله محمد ابن سليمان الجزولي). المعجم مفيد جدا لكل مهتم بالتاريخ القديم والحديث للأمازيغ، ولكل من يريد أن يشكل حكما موضوعيا عن بعض القضايا السياسية المعاصرة مثل ما يُسمّى ب"الظهير البربري" وما سماه بعض الصحافيين والمؤرخين ب"الأزمة الأمازيغية" في الجزائر.

"الفنون الأمازيغية بالمغرب" كتاب مثير لصاحبته سينثيا بيكر. نشر الكتاب عن جامعة ميكسيكو عام 2006، وهو في أصله رسالة دوكتوراه أنجزتها بيكر عن الفنون التقليدية بقبيلة أيت خباش. سنة 1996 قدِمت الباحثة الأنثروپولوجية الأمريكية سينثيا بيكر إلى المغرب قصد دراسة الفن الأمازيغي في قبيلة أيت خباش الأطلسية. وبعد أن قضت هذه الباحثة سنوات في البحث اكتشفت شيئا مثيرا في الثقافة الأمازيغية لم تتعود عليه في الثقافات الأخرى التي تعرفها ... جمعت سينثيا بيكر نتائج بحثها في إطار رسالة دوكتوراه ناقشتها في جامعة تيكساس الأمريكية، فنشرت الجامعة رسالة الدوكتوراه هاته، اعترافا بأهمية الأطروحة التي تضمنتها، سنة 2006 .. لقد اكتشفت هذه الباحثة أن النساء في الثقافة الأمازيغية هن مبدعات الفن. وأن الفن عندهن واسم من واسمات هويتهن الأمازيغية. وأنهن يضعن هذا الواسم على أجسادهن ليذكرن به أنفسهن والعالم بشكل مستمر بهويتهن. فهن من يصنع الأنسجة. وهن من يضعن عليها رسومات ونقوشات ذات مواضيع مختلفة. وهن من يصنعن نقوشات الحناء والوشم. وهن من يزين الخيام وملابس طقوس الختان. وهن من يزين حُلي الفضة التي يضعن على أجسادهن… لقد اكتشفت بيكر أن في الثقافة الأمازيغية أصلا عميقا تتحد فيه الهوية بالفن والأنوثة.

خلاصة

تحتاج مراكز الدراسات الأكاديمية والماسترات ومراكز الدوكتوراه في الجامعات المغربية المتعلقة بالدراسات اللسانية والثقافية الأمازيغية إلى تخصيص وحدات بحث وتكوين خاصة بهذه المرجعية الأكاديمية الأنڭلوساكسونية الغنية.
بقلم : عبدالله الحلوي