-->

فيلم "أزول" يتوغل في اعماق أمازيغ تونس

اقتحم المخرج والناقد السينمائي التونسي وسيم القربي من خلال فيلمه "أزول" منطقة شائكة طالما كان يصعب الاقتراب منها، وتوغل في اعماق الامازيغ ورصد معاناتهم المحفورة داخل ضلوعهم وألمهم من الاحساس بالقهر والتهميش في وطنهم وارضهم.

فيلم "أزول" جمع فيه مخرجه طيلة 44 دقيقة من الزمن بين التاريخ و الحضارة، وطرح فيه الكثير من المسائل السياسية والاجتماعية والتاريخية الشائكة المتعلقة بالأمازيغ.

وكلمة "أزول" متداولة لدى الأمازيغ وخاصة عند أمازيغ شمال إفريقيا وتعني الترحاب والسلام وهو المعنى الأمازيغي للكلمة، بينما معناها العربي فيقصد به الزوال والاندثار.

ويشكل الامازيغ اليوم في تونس 100 الف نسمة ينتشرون في محافظات مطماطة، وتطاوين، وجزيرة جربة، وڨفصة، والڨصرين وتكرونة والكاف.


وانطلق الفيلم بلقطة لباب قديم به قفل ضخم، وهي استعارة عن التعامل غير السليم مع الثقافة الأمازيغية في العقود السابقة من طرف النظام التونسي وإغلاق الأبواب أمام أي تحرك في هذا الإطار، بعد ذلك انتقل المخرج إلى جغرافية الجنوب التونسي في لقطات عامة ترصد مختلف فضاءات القرى الأمازيغية.

واعتبر القربي ان مشهد السلاسل التي تحول دون إمكانية فتح الباب تحيل الى رمزية القفل والسلاسل الموضوعة على الباب في الواقع والرغبة في اختراق المواضيع المسكوت عنها في المجتمعات العربية.

وافاد انها صورة رمزية للبحث عن الهوية الأمازيغية لانه طالما صاحب التطرق الى هذه القضية مخاوف من إثارة الفتن والحياد عن الوحدة الوطنية التي نجح بورقيبة في رسم معالمها ومحو العروشية والانقسامات عنها بطرق مختلفة.

واكد المخرج الشاب ان قضية الامازيغ في تونس تعتبر من المواضيع المحرمة والممنوعة سياسيا.

وقال جلول غرقي الأمين العام للجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية "لقد تم تهميشنا واستبعادنا لفترة طويلة، وحان الوقت لإعادة إحياء تراثنا بوصفنا مكونا مهمّا للمجتمع".

وأضاف أن هذه الجمعية التي تم الاعتراف بها مؤخرا وبعد مماطلة وتسويف من الحكومة ستعرض "مطالب للاعتراف بالثقافة الأمازيغية" على المجلس الوطني التأسيسي.

وحرص غرقي على نفي أي نوايا انفصالية لأمازيغ تونس الذين يبلغ عددهم أقل من مائة ألف ضمن أكثر من عشرة ملايين تونسي.

ويؤكد الأمين العام للجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية أن "هدفنا هو إنقاذ تراثنا ولغتنا وكتابتها والتصدي لنفي وجودنا".

وكشف الفيلم عن معالم الحضارة الأمازيغية على مستويات كثيرة أولها المعمار الأمازيغي الأصيل الذي لا تختلف خصائصه في تونس عن باقي البلدان المغاربية الأخرى.
'حان الوقت لإعادة إحياء تراثنا'
وتقدر مصادر عديدة نسبة الأمازيغ الناطقين بالامازيغية في المغرب باكثر من 50 بالمائة، وفي الجزائر بنحو 35 بالمائة، وفي ليبيا بنحو 10 بالمائة، وفي تونس بنحو واحد الى اثنان بالمائة.

واستحضر المخرج التونسي أهم ما يميز الامازيغ من منازل تقليدية ودورها في الحماية من الحرارة صيفا، والزي الأمازيغي الذي يتلاءم مع المناخ الجاف والحار لهذه المناطق.

ووظف المخرج إلى جانب الزي و العمران، بعض التعابير الثقافية والرمزية مثل طقوس الزواج والمواد التي تستعمل فيها كالحناء والبيض والوشم الذي يشكل عند الأمازيغ وسيلة تواصلية بالإضافة إلى كونه يعبر في بعض الأحيان عن الهوية الدينية أو القبلية.

وبرزت أيضا في الفيلم لقطات عن التراث الغنائي الامازيغي  الأصيل والعصري بالجنوب التونسي.

ويرصد الفيلم مطالب الامازيغ في تونس ودعوتهم الحكومات المتعاقبة الى ضرورة الاعتراف بثقافتهم وهويتهم، وإعادة كتابة تاريخ تونس بأقلام وطنية موضوعية ويتمسكون بدسترة اللغة الأمازيغية كلغة وطنية ورسمية بالدستور التونسي مثلما تم في المغرب سنة 2011.

ولم يطرح سؤال الثقافة والهوية الأمازيغية بتونس بشكل عصري إلا بعد ثورة 2011 بعد هروب الرئيس زين العابدين بن علي خوفا على حياته بسبب الغليان الذي عرفه الشارع التونسي في ذلك الوقت والثورة الجارفة التي اطاحت به.

وطرح سؤال الأمازيغية جاء في سياق إحساس الشعب التونسي بنوع من الانفراج الديمقراطي.

وأكد المخرج وسيم القربي أن طرح قضية الأمازيغ جاء في سياق إحساس الشعب التونسي بنوع من الحرية السياسية ابان سقوط حكم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي.

واعتبر تأسيس أول جمعية ثقافية أمازيغية أول إشارة رسمية في طرح القضية الأمازيغية بشكلها العصري.

واعتمد المخرج وسيم القربي في رصده لوضعية الثقافة الأمازيغية بتونس على آراء بعض الباحثين وثلة من سكان القرى الأمازيغية، الذين اتفقوا على أن الأمازيغ كانوا ولا زالوا باقين في تونس من خلال استمرار مقومات حضارتهم ورغم التهميش المتعمد لهم.

ويتطرق "ازول" الى تجاهل السياسة الرسمية للدولة التونسية للامازيغ وتعمدها تفريق القبائل الأمازيغية عن طريق سياسات التهجير القسري، وتعريب جغرافيتهم ولسانهم وحياتهم العامة، بدعوى الحفاظ على وحدة الأمة التونسية في مواجهتها للسياسة الاستعمارية الفرنسية.

وانهى المخرج فيلمه بلقطة لها أبعاد كثيرة حيث حضر فيها العلم الأمازيغي الذي يتضمن دلالات عميقة عند الشعب الأمازيغي بشمال افريقيا لأنه يجسد وحدتهم، وكانت لقطة حمل الاطفال الصغار للعلم بمثابة رسالة تفاؤل وامل لمستقبل مشرق للامازيغ في تونس.